إيران بين رهانات الاجتثاث وصلابة الدولة.. لماذا أخفقت مشاريع التفكيك؟
آخر تحديث 13-01-2026 17:18

على مدى أكثر من عقدَين، لم تكن إيران مُجَـرّد دولة تختلفُ سياسيًّا مع أمريكا أَو كَيان الاحتلال الصهيوني أَو بعض القوى الغربية، بل كانت هدفًا لمشروع مركَّب متعدد المستويات، سعى بوضوحٍ أَو بمواربة إلى إعادة تشكيلها من الداخل، أَو إسقاط نظامها عبر استنزافٍ طويلِ الأمد.

هذا المشروع لم يكن عسكريًّا صرفًا، ولا أمنيًّا فقط، بل منظومةٌ متكاملة اشتغلت على الاقتصاد، والثقافة، والإعلام، والهُوية، والنسيج الاجتماعي، تحت عناوينَ شتى: حقوق الإنسان، الديمقراطية، الأقليات، العقوبات الذكية، ودعم “المعارضة”.

اليوم، وبعد كُـلّ هذه السنوات، يمكن القول إن هذه المنظومة لم تفشلْ فحسب، بل تعرّضت لانكسارٍ استراتيجي داخل إيرانَ نفسها.

مشروع الاجتثاث من الخارج إلى الداخل

فمنذ مطلعِ الألفية الجديدة، تعاملت أمريكا وحلفاؤها، وفي مقدمتهم كَيانُ الاحتلال وبعضُ دول الناتو، مع إيران بوصفها “مشكلةً بنيوية” في ما يسمى "الشرق الأوسط".

لم يكن الخلافُ محصورًا في المِلف النووي، بل في طبيعة النظام ذاته، نظام يرفع شعارَ الاستقلال السياسي، ويرفُضُ الانخراطَ في المنظومة الغربية، ويمتلك خطابًا أيديولوجيًّا عابرًا للحدود.

لذلك، جرى الانتقالُ من منطق الحرب المباشرة التي ثبتت كُلفتُها العالية في العراق وأفغانستان إلى منطق “الهدم البطيء”، عقوبات اقتصادية خانقة تهدفُ إلى إنهاك المجتمع قبل الدولة، واختراقات أمنية واستخبارية عبر شبكات داخلية، وحرب إعلامية وثقافية تسعى إلى نزع الشرعية الرمزية عن النظام، كذلك الرهان على معارضة داخلية يمكن تضخيمها وتدويل خطابها.

كانت الفكرةُ الجوهرية بسيطةً في ظاهرها: إذَا تآكلت ثقة الشعب بالنظام، فإن الانهيار سيأتي من الداخل دون الحاجة إلى حرب.

المعارضة الإيرانية – تعدُّدٌ بلا وحدة

غير أن أحدَ أكبر إخفاقات هذا المشروع تمثّل في سوء تقدير طبيعة المعارضة الإيرانية نفسها.

فالمعارضة، خلافًا للصورة التي تُصدَّرُ في بعض وسائل الإعلام الغربية، ليست كتلة واحدة متماسكة، ولا تمتلك برنامجًا وطنيًّا جامعًا، ولا قيادة موحّدة تحظى بشرعية شعبيّة.

يمكن توصيفُ هذه المعارضة، من حَيثُ الواقع لا الدعاية، بأنها خليطٌ غير متجانس، يجمعُه العداء للنظام أكثر مما يجمعُه أيُّ تصور بديل للدولة.

هناك أولًا تياراتٌ انفصالية، عربية وكردية وبلوشية وغيرها، ترفع شعارات قومية أَو إثنية، وغالبًا ما ترتبطُ بشكل مباشر أَو غير مباشر بأجندات إقليمية أَو دولية.

هذه التياراتُ لا تخاطبُ “إيران” بوصفها دولةً جامعةً، بل تتعامَلُ معها ككَيانٍ يجب تفكيكُه، وهو ما يجعلها مرفوضةً على نطاق واسع لدى الإيرانيين، حتى أُولئك الناقمين على بعض سياسات النظام.

وهناك ثانيًا جماعاتٌ ذات تاريخ إشكالي في الوعي الجمعي الإيراني، مثل منظمة "مجاهدي خلق"، التي وإن قدّمت نفسَها في مراحلَ معينة كحركة وطنية، إلا أن ماضيها المرتبط بالعنف، وتحالفاتها السابقة مع خصوم إيران في لحظات مصيرية، جعلتها فاقدةً للرصيد الشعبي الحقيقي داخل البلاد.

وثالثًا، تظهر شخصيات ورموز مرتبطة بالنظام الملكي السابق، وعلى رأسها نجل شاه إيران.

هذه الرموز تعيشُ في الغالب في المنفى، وتتحَرّك في فضاء إعلامي غربي، وتطرح نفسَها كبديل سياسي، لكنها في الواقع أقربُ إلى “معارضة افتراضية”، منقطعة عن المجتمع الإيراني الفعلي، وغير قادرة على مخاطبة جيلٍ لم يعش تجربة الشاه أصلًا.

يُضاف إلى ذلك وجود أفراد أَو مجموعات ترتدي لبوسًا دينيًّا، لكنها على علاقة وثيقة بجهات معادية لإيران، أَو بتيارات فكرية مرفوضة شعبيًّا، ما يزيد من فقدان الثقة بأي خطاب يصدرُ عنها.

أقلية بلا حاضنة شعبيّة

النتيجة الموضوعية لكل ذلك أن المعارضةَ الإيرانية، رغم الضجيج الإعلامي الذي يحيط بها، لا تمثل سوى نسبة هامشية جِـدًّا من المجتمع الإيراني.

يمكن القول، دون مبالغة، إنها أقل من واحد بالمئة من الشعب، والأهم من ذلك أنها غيرُ قادرة على التحول إلى “رأي عام”.

فالرأي العام لا يُصنَع فقط من الغضب، بل من الثقة بالبديل، والشعب الإيراني، حتى في ذروة الاحتجاجات أَو الأزمات الاقتصادية، لم يرَ في هذه المعارضة بديلًا وطنيًّا قادرًا على حفظ الدولة، أَو صيانة السيادة، أَو منع الفوضى.

النظام الإيراني وشرعية الصمود لا شرعية الكمال

لا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن النظام الإيراني بلا عيوب؛ فهناك أزماتٌ اقتصادية حقيقية، ومشكلات معيشية، وانتقادات داخلية تتعلقُ بالإدارة، وتفاوت التنمية، لكن الفارق الجوهري أن هذه الانتقادات تُطرح في الغالب من داخل الإطار الوطني، لا من خارجه.

لقد نجح النظام الإيراني، خلال السنوات الماضية، في تقديم نفسِه في وعي شريحة واسعة من الشعب بوصفه ضامنَ الدولة لا مُجَـرّد سلطة سياسية.

وفي منطقة شهدت انهياراتٍ كارثيةً لدول كاملة، من العراق إلى سوريا إلى ليبيا، أصبح “الخوف من البديل المجهول” عاملًا حاسمًا في تشكّل المواقف الشعبيّة.

كثير من الإيرانيين قد يختلفون مع النظام، لكنهم لا يريدون إسقاطَ الدولة، وقد ينتقدون السياسات، لكنهم يرفضون المشاريعَ التي يرون فيها امتدادًا لإرادَة كَيان الاحتلال أَو أمريكا أَو قوى خارجية أُخرى.

فشل المشروع الخارجي وانعكاساته

اليوم يمكن القول إن المشروعَ الإسرائيلي الأمريكي داخل إيران تعرّض لضربة قاسية، ليس لأن إيران دولة مثالية، بل لأنها استطاعت تفكيكَ جزء كبير من شبكات الاختراق، وتحويل العقوبات إلى عنصر تعبئة وطنية بدلًا عن أن تكونَ أدَاة إسقاط، وكشف هشاشة المعارضة وربطها بالخارج في الوعي الشعبي، والأهم أنها نجحت في ترسيخ معادلة مفادها أن أيَّ تغيير يجب أن يكون من الداخل، وبأدوات إيرانية، لا عبر وصفات جاهزة تأتي من واشنطن أَو كيان الاحتلال.

خلاصة القول

إيران اليوم ليست دولةً على حافة السقوط كما يُراد تصويرُها، ولا مجتمعًا ينتظرُ “المخلِّصَ” القادم من الخارج.

هي دولة تعيشُ صراعًا مركَّبًا، لكنها أثبتت أن مشاريعَ الاجتثاث، مهما طال أمدها، لا تنجحُ عندما تفتقد إلى حاضنة شعبيّة حقيقية.

ومع كُـلّ عيوب النظام الإيراني، يبقى واقعُ الشارع الإيراني واضحًا: الخلاف مع السلطة لا يعني الارتماء في أحضان الخارج، والمعارضة التي تراهنُ على ذلك محكومٌ عليها بالبقاء في الهامش، مهما ارتفع صوتُها في الإعلام.

هيئة الكتاب تطلق مسابقة "الإصدار الأول للشباب" لدعم الأدباء الذين تأثروا بالعدوان والحصار
المسيرة نت | صنعاء: تطلق الهيئة العامة للكتاب بصنعاء مسابقة الإصدار الأول للشباب في مختلف فنون ومجالات الكتابة الأدبية.
حزب الله يحيّي الشعب الإيراني وقيادته ويؤكد دعمه لخيارات تثبيت الاستقرار وردع المؤامرات
المسيرة نت | متابعات: حيّا حزب الله "المسيرات المليونية التي خرجت من مختلف أنحاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية دعمًا للنظام الإسلامي والاستقرار".
لاريجاني يُعلن ترامب ونتنياهو قتلة رئيسيين للشعب الإيراني
المسيرة نت| متابعات: في تصعيدٍ جديد يعكس حجم التآمر الخارجي على استقرار الجمهورية الإسلامية، ردَّ الأمين العام لمجلس الأمن القومي ومستشار قائد الثورة الإسلامية في إيران، علي لاريجاني، بحزمٍ على المحاولات الأمريكية السافرة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.
الأخبار العاجلة
  • 21:32
    حماس: المباحثات تتضمن تسريع الدخول في المرحلة الثانية بما في ذلك تشكيل اللجنة الإدارية واستكمال انسحاب العدو من القطاع
  • 21:31
    حماس: المباحثات تتضمن استكمال تطبيق المرحلة الأولى بما فيها فتح معبر رفح في الاتجاهين
  • 21:30
    حماس: وفد قيادي برئاسة خليل الحية سيجري مباحثات مع القيادة المصرية حول استكمال تطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار
  • 21:30
    حماس: وفد قيادي برئاسة خليل الحية سيجري مباحثات مع القيادة المصرية حول استكمال تطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار
  • 21:28
    استخبارات حرس الثورة الإسلامية: تلقينا 400 ألف بلاغ من المواطنين ساهمت بالتعرف على جزء كبير من الشبكات الإرهابية وتفكيكها
  • 20:56
    العميد مجيد موسوي: إنتاج الصواريخ والإنتاج العام للقوات الجوفضائية قد ازداد مقارنة بما قبل حرب الـ12 يوما