• العنوان:
    اتفاق الأسرى ليست نهاية الصراع بل بداية الانكشاف
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    لم تكن اتفاقُ الأسرى في مسقط محطةَ ختام للصراع، ولا يمكن قراءتها بوصفها لحظة سلام مكتملة، بقدر ما كانت لحظة انكشاف سياسي شامل، سقطت فيها الأقنعة وتبددت الأوهام، وظهر فيها جوهر المعركة كما هو: صراع إرادات، لا نزاع إجراءات.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

فمن يظن أن الانتقالَ إلى طاولة التفاوض يعني انتهاءَ الصراع، يغفل أن الصراعات الكبرى لا تُقاس بتوقيع الاتّفاقات، بل بمدى التزام الأطراف بجذور القضايا التي فجّرتها.

لقد جاءت اتفاق مسقط نتيجة حتمية لمسار طويل من الفشل العسكري والسياسي للرياض، لا ثمرة قناعة أخلاقية أَو مراجعة مبدئية.

فبعد سنوات من العدوان والحصار، لم تحصد السعوديّة سوى استنزاف استراتيجي، وانكشاف أمني، وتآكل في صورة القوة التي حاولت ترسيخها.

وعندما سقط خيار الحسم بالقوة، لم يبقَ أمامها سوى خيار التفاوض، ولكن من موقع مغاير تمامًا لما بدأت به الحرب.

وهنا يتجلى الانكشاف الحقيقي: انكشاف حدود القوة، وانكشاف زيف الرهان على الزمن.

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أكثر النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

اتفاقية مسقط لم تكشف فقط مأزق الرياض، بل كشفت أَيْـضًا طبيعة الصراع ذاته.

فالقضية لم تكن يومًا خلافًا سياسيًّا عابرًا، بل مشروع عدوان استهدف السيادة والقرار والهُـوية.

ولذلك فإن الملفات المطروحة على طاولة التفاوض ـ من الحصار والرواتب والموارد والضمانات ـ ليست بنودًا قابلة للمساومة، بل حقوقًا سيادية لا تسقط بالتقادم.

إن محاولة تجزئة هذه القضايا أَو تأجيلها ليست سوى امتداد للحرب بأساليب ناعمة، وهو ما يجعل مسقط بداية اختبار حقيقي للنوايا، لا نهاية للصراع.

كما كشفت مسقط زيف الخطاب الدولي الذي طالما اصطف خلف العدوان، فإذا به اليوم يتعامل مع صنعاء كطرف حاسم، لا يمكن تجاوزه ولا القفز على مطالبه.

هذا التحول لم يكن منحة سياسية، بل نتاج معادلة ردع فرضها اليمن بثباته، وأجبر خصومه على إعادة الحسابات.

وفي هذا السياق تتجلى سنن الله في الصراع، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التفاوض ذاته، بل في وهم الاطمئنان المبكر.

فالتجربة أثبتت أن الرياض بارعة في إدارة الوقت، والمناورة تحت العناوين الإنسانية، دون التزام جذري بإنهاء العدوان.

ولذلك فإن الوعي السياسي يفرض التعامل مع مسقط كمرحلة انكشاف لا مرحلة استرخاء، وكجولة صراع سياسي لا تقل أهميّة عن جولات الميدان.

قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، والإعداد هنا لا يقتصر على السلاح، بل يشمل الوعي واليقظة والثبات على الموقف.

خلاصة المشهد أن مسقط وضعت الجميع أمام الحقيقة العارية: اليمن لم يُهزم، ولم يأتِ إلى التفاوض مكسورًا، بل دخل من موقع الندّية وفرض الاستحقاقات.

فإن التزمت الرياض بإنهاء العدوان ورفع الحصار واحترام السيادة، كانت مسقط بوابة سلام حقيقي.

وإن اختارت المراوغة، فستكون اتفاقيةَ مسقط بداية انكشاف جديد يسرّع سقوط ما تبقى من رهاناتها.

وفي الحالتين، يبقى اليمنُ ثابتًا على وعد الله: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾.

خطابات القائد