• العنوان:
    أمريكا في سوريا.. استراتيجية "الفوضى الموجَّهة"
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    تتجلى استراتيجية الهيمنة الأمريكية في سوريا تحت ستار مكافحة الإرهاب من خلال الضربات الأخيرة، التي تستخدمُها الإدارة الأمريكية كأدَاة لفرض الأمر الواقع وتكريس الوجود العسكري غير الشرعي.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

فبينما يعلن الرئيس دونالد ترامب أن الضربات التي استهدفت أكثر من 70 موقعًا في سوريا هي رد على هجوم أَدَّى إلى مقتل جنديين أمريكيين ومترجم مدني، مصرحًا بأننا "نعيد السلام من خلال القوة"؛ فإن هذا الخطاب يتناقض تناقضًا صارخًا مع الممارسات الفعلية التي تكرس الفوضى وتخدم أجندات توسعية.

لقد تحولت سوريا إلى ساحة مفتوحة للتصفية الجيوسياسية تحت ذريعة محاربة تنظيم "داعش"، بينما تشير الوقائع إلى أن التنظيم نفسه هو نتاج سياسات الفوضى والتدخلات السابقة.

ويكشف التواطؤ المعلن مع القوى المحلية عن الوجه الحقيقي لهذه الاستراتيجية؛ حَيثُ يذكر ترامب بشكل صريح أن "الحكومة السورية تدعم ذلك بشكل كامل"، وهو تأكيد على التحالف العملي مع قوى الأمر الواقع، متجاوزًا كُـلّ الخطابات السابقة حول الشرعية والديمقراطية، في محاولة لترميم شرعية الوجود الأمريكي وتوفير غطاء محلي لعملياته.

لا تنفصل هذه الضربات عن الدوافع الاستعمارية المتجددة للإدارة الأمريكية، التي تستخدم "إرساء السلام" كشعار أجوف لتبرير الحروب المتواصلة، كما جرى في اليمن سابقًا، حَيثُ يتحول السلام إلى مُجَـرّد "تعليق" للقوة العسكرية المطلقة.

ويظهر تناقض السياسة الأمريكية جليًّا في فرض قيود كاملة على دخول مواطني سوريا وبلدان أُخرى تحت ذريعة حماية الأمن القومي، بينما تطلق يدها العسكرية في تلك البلدان ذاتها؛ إنه منطق الكيل بمكيالين الذي يشرعن العدوان ويحظر على ضحاياه حتى حق اللجوء.

وتكشف التصريحات الأمريكية عن نية انتقامية صريحة لا علاقة لها باستراتيجية أمنية عقلانية؛ فوزير الدفاع الأمريكي "بيت هيغسيث" يقول: "هذا ليس بداية حرب، بل هو إعلان انتقام"، ويضيف بتلويح صريح: "إذا استهدفت الأمريكيين فسوف تقضي بقية حياتك القصيرة المليئة بالقلق وأنت تعلم أننا سنطاردك ونقتلك بلا رحمة"؛ وهو خطاب يستحضر ثقافة الغزو والاستئصال بدلًا عن العدالة الدولية.

كما يشكل الاستهداف المزدوج للداخل الأمريكي والخارج أحد أركان هذه الاستراتيجية؛ حَيثُ تسعى الإدارة إلى قمع أية معارضة داخلية للنموذج العسكري المتوحش.

ويتجلى ذلك في الهجوم العنيف على أعضاء الكونغرس الستة الذين دعوا العسكريين إلى رفض الأوامر غير القانونية، حَيثُ وصف ترامب سلوكهم بالتحريضي بل وذهب للمطالبة بإعدامهم.

وهذا الهجوم ليس سوى محاولة لإسكات الأصوات التي تكشف زيف الادِّعاءات القانونية للعمليات الخارجية؛ فالحرب على الإرهاب تتحول هنا إلى إرهاب للرأي العام العالمي والمحلي.

وتتعارض هذه الضربات مع الحقائق الميدانية التي تشير إلى ضبابية هُــوية المهاجمين والأهداف؛ فبينما يتحدث "المرصد السوري" عن قتل عناصر من تنظيم الدولة، تشير تقارير أُخرى إلى أن الهجوم الأصلي في تدمّـر نفذه مهاجم تنسبه مصادر إلى قوات الأمن السورية، مما يطرح تساؤلات كبيرة حول دقة الذرائع ومدى مصداقية الادِّعاءات الأمريكية في تحديد الأهداف.

إن هذا الغموض يؤكّـد أن سوريا باتت ساحة لتصفية الحسابات تحت غطاء "إرهاب مختلق" أَو مبالغ في تقديره.

تمثل هذه الضربات استمرارًا للنموذج الأمريكي في إدارة الأزمات عبر التصعيد العسكري المباشر دون اعتبار للسيادة الوطنية، حَيثُ تشرك واشنطن أطرافًا إقليمية في عملياتها لتوسيع دائرة التواطؤ.

إن ادِّعاء ترامب بأنه يعيد "السلام في الشرق الأوسط الذي لم يحصل منذ 3000 عام" هو تجسيد للغرور الاستعماري الذي يتجاهل تاريخ المنطقة وحقوق شعوبها.

ووراء هذه الشعارات، تكمن استراتيجية واضحة لإضعاف السيادات الوطنية وإعادة ترتيب المنطقة وفق المصالح الأمريكية، في مسار لن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار والمعاناة، بينما تتراكم الأرباح والنتائج الاستراتيجية لصانعي القرار في واشنطن وحلفائهم.

خطابات القائد