• العنوان:
    حكاية "قبتين" في قلب صنعاء: حيثُ يعانق التاريخُ السياسة
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    قبة المتوكل ليست مُجَـرّد حجر.. هي حكاية إمامٍ بنى، وآخر أكمل، وزمنٍ غيّر الملامح وبقي فيه الأثرُ الخالد.. وكي لا يمر حفيدك يومًا بميدان التحرير ويظن القبة مُجَـرّد "زحام" في الطريق، بل ليدرك أنها كانت "قلب المدينة" النابض.. نوقظ الذاكرة لتعرفَ الأجيال أن صنعاء ومدننا كانت يومًا عواصم تُدار بالنظام والحكمة، ومراكز تشع بالعلم والدين والحضارة.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

********************************

في ميدان التحرير، حَيثُ تضج الحياة اليوم بصخب الحداثة، تقف "قبة المتوكل" شاهدةً صامتة على قرون من التحولات.

لكن، هل كنت تعلم أننا في الحقيقة لا نتحدث عن مُجَـرّد مبنى واحد، بل عن "توأم" معماري وتاريخي يجهل تفاصيله الكثيرون؟

القبة الأم: بستان المسك (1139هـ)

بدأت الحكاية قبل أكثر من 300 عام، حين شيّد الإمام المتوكل قاسم بن حسين (عليه السلام) قبته الشهيرة في منطقة كانت تُعرف آنذاك بـ "بستان المسك".

لم تكن القبة مُجَـرّد مزار أَو مَعلم ديني فحسب، بل أصبحت "روضة ملكية" احتضنت رفات أئمة تعاقبوا على حكم اليمن، من المنصور علي وُصُـولًا إلى الهادي محمد (عليهم السلام جميعًا).

القبة الصغرى: إرث الإمام يحيى (1346هـ)

بعد قرنَين من الزمان، وتحديدًا في عام 1346هـ، أضاف الإمام يحيى حميد الدين (رحمه الله) لمسته المعمارية الفريدة ببناء قبة ملاصقة لها من الجهة الشمالية الغربية.

تميزت هذه الإضافة بذكاء هندسي وربط لوجستي، حَيثُ وُصلت "مواضيها" (أماكن الوضوء) بـ "الغيل الأسود" التاريخي، الذي كان ينساب بجوارها ليمنح المكان حياةً وطهارة وسكينة.

لغز "الأحجار الباردة" في ثنايا التاريخ

يروي لنا المؤرخ الحجري تفصيلةً مذهلةً عن "صوح" القبة الجنوبي (فناؤها)؛ فقد كان مرصوفًا بـ "الأحجار البيضاء العَصِرية".

هذه الأحجار، المجلوبة من منطقة "عَصِر" غربي صنعاء، تمتاز بخاصية عجيبة؛ إذ تظل باردة مهما اشتدت حرارة الشمس!

كانت تلك الأحجار بمثابة "تكييف طبيعي" يمنح المصلين برودةً وطمأنينة في هجير الصيف، قبل أن يقوم الإمام المهدي عباس في النصف الثاني من القرن الثاني عشر باستبدالها بأحجار "الحبش" السوداء، ليغير لون المكان وذاكرته البصرية مع الحفاظ على رونقه وهيبته.

لماذا نكتب عن "قُبَّة المتوكل" اليوم؟

قد يتساءل البعض في زمن المتغيرات: لِمَ نبش هذه الأطلال؟ والجواب يكمن في حاجتنا الملحة للعودة إلى "الأصل" وسط ضجيج العصر.

نكتب عنها؛ لأَنَّها "الناجية الوحيدة" من تقلبات القرون؛ صمدت حين رحل الملوك، وبقيت حين جفت الغيول.

نكتب عنها لنتعلم من "أحجارها العَصِرية" كيف نكون صبورين في وجه الأزمات، ولنستعيد "أناقةَ اليمن" التي يجب ألا تغيب عن وعي الأجيال الجديدة.

نكتب عنها؛ لأَنَّها "البُوصلة" التي تخبرنا من نحن؛ فهي ليست مُجَـرّد أثر، بل هي "صندوق أسود" يضم فنون العمارة وأسماء صنعت تاريخ اليمن العظيم.

نحن لا ننبش القبور، بل نوقظ الذاكرة لتعرف الأجيال أن صنعاء ومدننا كانت يومًا عواصم تُدار بالنظام والحكمة، ومراكز تشع بالعلم والدين والحضارة.

نكتب كي لا يمر حفيدك يومًا بميدان التحرير ويظن القبة مُجَـرّد "زحام" في الطريق، بل ليدرك أنها كانت "قلب المدينة" النابض.

"قبة المتوكل ليست مُجَـرّد حجر؛ بل هي حكاية إمامٍ بنى، وآخر أكمل، وزمنٍ غيّر الملامح وبقي فيه الأثر الخالد. (رحمة الله عليهم أجمعين).

خطابات القائد