• العنوان:
    الأسرة والمجتمع: المرأة بين الحضارة الغربية والرؤية الإسلامية
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    خاص| المسيرة نت: تُسوِّق الحضارة الغربية نفسها بوصفها «بلاد الحريات» وحامية حقوق الإنسان، غير أن الوقائع الميدانية والأرقام الصادرة عن مؤسسات أمريكية محلية تكشف تناقضًا صارخًا بين الخطاب والممارسة، ولا سيما فيما يتصل بأوضاع المرأة.
  • التصنيفات:
    ثقافة
  • كلمات مفتاحية:

وخلف شعارات الحرية والمساواة، تتبدّى منظومة مادية تُخضع المرأة لمنطق السوق والربح، وتدفع بها إلى فضاءات الاستغلال الاقتصادي والجسدي، مع تهميش القيم الإنسانية والأخلاقية واستقرار الأسرة.

وبحسب إحصاءات محلية أمريكية حتى عام 2019، تعرّضت واحدة من كل خمس نساء أمريكيات للاغتصاب في مرحلة من مراحل حياتهن، بما يتجاوز 25 مليون حالة حتى 2015، فيما أبلغت أكثر من 52 مليون امرأة عن التعرض للتحرش. كما تتعرض واحدة من كل ثلاث نساء—أي أكثر من 43 مليونًا—للعنف الجسدي من قبل ما يُسمّى «شريك الحياة». وتشير البيانات إلى إجراء أكثر من 20 ألف مكالمة يوميًا على الخطوط الساخنة بسبب العنف المنزلي، مع تصاعد خطير لاستخدام السلاح الناري داخل المنازل، حيث ترتفع احتمالية قتل النساء ستة أضعاف عند وجود مسدس في البيت. وتمثل الولايات المتحدة 92% من النساء اللواتي قُتلن بالسلاح في البلدان ذات الدخل المرتفع، ما يجعلها الأخطر عالميًا على النساء.

وفي عام 2019، أكد النظام الوطني للإبلاغ عن الوفيات أن متوسط عدد النساء الأمريكيات اللواتي يُقتلن شهريًا على يد «شريك الحياة» يبلغ 70 امرأة، وأن 80% من جرائم قتل النساء تقع ضمن هذا الإطار. كما أبلغت 4.5 ملايين امرأة عن تعرضهن للتهديد بسلاح ناري داخل المنزل. وعلى صعيد السجون، تمثل السجينات الأمريكيات أكثر من 30% من إجمالي النساء السجينات في العالم، مع قفزة هائلة بنسبة 716% بين عامي 1980 و2016.

هذه الأرقام—وهي حتى 2019—تشي بتفاقمٍ مرجّح في الأعوام اللاحقة، وتؤكد أن الحرية حين تُختزل في شعارٍ ماديّ، تُفضي إلى هشاشة إنسانية وتفكك أسري واستغلال مضاعف للمرأة.

 الحضارة الغربية ومنطق السوق

وتدفع المنظومة الغربية بالمرأة إلى سوق العمل بوصفه قدرًا إلزاميًا للعيش والقبول الاجتماعي، من دون حماية حقيقية من الاستغلال. ورغم دعاوى المساواة، لا تزال فجوة الأجور قائمة، وتتركز مشاركة النساء في الوظائف المتدنية والخدمية، مع صعوبات جديّة في بلوغ المواقع القيادية. وتتزامن هذه الأوضاع مع انتشار التحرش والعنف في أماكن العمل والفضاء العام حتى في أكثر الدول تقدمًا اقتصاديًا.

كما أسهم النموذج الغربي في تفكك الأسرة التقليدية وتصاعد العيش الفردي، بما ينعكس سلبًا على الاستقرار النفسي والاجتماعي للمرأة والأسرة معًا. ويُضاف إلى ذلك ضغط الإعلام الغربي بمعايير جمال غير واقعية، تحوّل جسد المرأة إلى أداة ربح وتسويق، وتدفعها إلى سباقٍ لا ينتهي من الاستهلاك وعمليات التجميل، ما يفاقم مشاعر النقص والاكتئاب والعزلة، ويرتبط بارتفاع معدلات الانتحار بين النساء.

وفي المحصلة، يُسوَّق «تحرير المرأة» كطريقٍ للسعادة، بينما يكشف الواقع عن نمطٍ جديد من الاستغلال يُمارس باسم الحرية وحقوق المرأة.

الرؤية الإسلامية: كرامة إنسانية وتشريع عادل

 وفي هذا السياق، قدّمت الأكاديمية والناشطة الثقافية الأستاذة أمّة الخالق العمدي قراءة مقارنة عبر نافذة «الأسرة والمجتمع» اليوم على قناة المسيرة، أكدت فيها أن الحضارة الغربية تنطلق من فلسفة مادية علمانية تُقصي القيم الإلهية، بينما يقوم الإسلام على التوحيد والاستخلاف وتكريم الإنسان، رجلًا وامرأة.

 وأوضحت العمدي أن معيار التقييم في الإسلام ليس الإنتاج المادي ولا الجسد، بل التقوى والمسؤولية والأداء الأخلاقي، مستشهدة بقوله تعالى: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، وقوله: «ولقد كرمنا بني آدم». وفي المقابل، يُختزل التقييم في الغرب بقدر ما يُنتج الفرد ويعمل، فتُدفع المرأة لإثبات وجودها عبر جسدها وجهدٍ يفوق تكوينها الفطري.

وبيّنت أن الإسلام دين عدالة لا ظلم، أقرّ حق المرأة في العمل إذا احتاجت، مع ضمانات تحفظ كرامتها وتصونها من الاستغلال، وجعل العمل خيارًا لا إلزامًا، إذ أوجب النفقة على الرجل، وحمى المرأة بروابط الأسرة. واستشهدت بقوله تعالى: «للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن»، مؤكدة أن مشاركة المرأة تكون بما يوافق تكوينها واختلافاتها، وفي بيئات وضوابط أخلاقية تحفظ صحتها النفسية والبدنية.

كما شددت على أن الإسلام ضبط مسألة الاختلاط ومنع الخلوة، وأرسى بيئة عمل منتجة تحفظ الكرامة، مع الأمر بغض البصر للرجال والنساء، وفرض الحشمة باعتبارها صونًا للمرأة من التحول إلى سلعة. فالقيمة الحقيقية—بحسب الرؤية الإسلامية—هي العقل والأخلاق والأداء والمسؤولية، لا الجسد ومعايير السوق.

الإعلام ومعايير الجمال

في هذا السياق أكدت العمدي أن الإسلام حفظ «الجوهر» ونظّم «الشكل»، فجعل الأخلاق والحضور المعنوي أساس الرفعة، وصان الجسد بالحجاب والحشمة باعتباره قيمة لا تُباع ولا تُشترى.

وأشارت إلى أن غياب الروابط الأسرية في الغرب يفاقم فقدان الأمان العاطفي، ويدفع النساء إلى العمل المضني لتأمين أساسيات العيش، بما يفضي إلى الاكتئاب والعزلة.

وفي المقابل، يعزز الإسلام الأسرة والاستقرار، ويقدّم نماذج مضيئة كالسيدة خديجة عليها السلام في التجارة بكرامة واستقلال، والسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في العظمة الأخلاقية، والسيدة زينب عليها السلام في المواقف حين دعاها الواجب، ثم العودة إلى دورها الأسري.

وتكشف المقارنة بين الحضارتين عن تناقضٍ حاد بين الخطاب والممارسة في النموذج الغربي، حيث تنتهي شعارات الحرية إلى مزيد من الاستغلال والضغط على المرأة، مقابل رؤية إسلامية تؤسس لكرامة إنسانية وتشريع عادل واستقرار أسري.

وتؤكد الشهادات والوقائع أن ما يُقدَّم في الغرب ليس حضارة إنسانية بقدر ما هو هدم للقيم، بينما يظل الإسلام—بتشريعاته وضوابطه—نموذجًا لصون المرأة وتعلي مقامها وبناء مجتمع متوازن.

خطابات القائد