• العنوان:
    عندما يتحول "الذكاء الاصطناعي" إلى أداة لسرقة التراث الإنساني ومصادرة حقوق المبدعين
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    تقرير | هاني أحمد علي | المسيرة نت: يشهد العالم تحوّلاً جذرياً في مفهوم الإنتاج المعرفي مع التوسع المتسارع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما فتح الباب أمام معركة قانونية وتجارية شرسة بين شركات التكنولوجيا الكبرى من جهة، والكتّاب والفنانين والمؤسسات الإعلامية من جهة أخرى، على خلفية استخدام ملايين الأعمال الإبداعية في تدريب النماذج الذكية دون إذن أو تعويض.
  • التصنيفات:
    علوم وتكنولوجيا
  • كلمات مفتاحية:

ويوضح خبير الذكاء الاصطناعي المهندس عمير عبدالجبار أن جوهر الإشكالية يكمن في طبيعة البيانات التي تُعد الوقود الأساسي لهذه النماذج، حيث قامت شركات تقنية بمسح شامل للإنترنت وسحب مليارات النصوص والصور والكتب، معظمها محمي بحقوق النشر، واستخدامها لاحقاً لتقديم خدمات مدفوعة تدر أرباحاً طائلة.

ويشير عبدالجبار إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل GPT-4، دُرّبت على مئات المليارات من الكلمات، مؤكداً أن هذه النماذج لا تعمل وفق مبدأ النسخ الحرفي المباشر، بل تتعلم الأنماط والأساليب، غير أن المشكلة تظهر عندما يتم التدريب المكثف على مصادر محددة أو محتوى متفرد، ما يؤدي عملياً إلى حفظ المعلومة وإعادة إنتاجها، وهو ما يُعد تعدياً واضحاً على حقوق الملكية الفكرية.

وفي هذا السياق، تدافع الشركات التقنية عن ممارساتها بمبدأ "الاستخدام العادل"، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي يتعلم كما يتعلم الطالب من الكتب، إلا أن صناع المحتوى يردون بأن هذه النماذج لم تعد مجرد أدوات تعليمية، بل تحولت إلى بديل مباشر عن المنتج الأصلي، ما يضرب أرباح المؤسسات الإعلامية ويقوض الأساس القانوني لمفهوم الاستخدام العادل.

وقد انتقل هذا الخلاف من السجال الإعلامي إلى ساحات القضاء، حيث برزت قضايا كبرى، أبرزها الدعوى التي رفعتها صحيفة نيويورك تايمز ضد شركة "أوبن إيه آي"، مطالبة بتعويضات ضخمة، إلى جانب دعاوى مماثلة من فنانين ورسّامين ضد أدوات الرسم بالذكاء الاصطناعي، في معركة قانونية تُقدّر بمليارات الدولارات.

ومع غياب تشريعات واضحة، بدأ المبدعون بالدفاع عن حقوقهم عبر أدوات تقنية جديدة، من بينها ما يُعرف بـ"السم الرقمي"، مثل أداة "نايت شيد"، التي تُدخل تعديلات غير مرئية على الصور والبيانات تُربك خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتفسد تدريبها، ما يشكل أداة ردع تفرض كلفة مرتفعة على الشركات التي تستخدم المحتوى دون ترخيص.

بالتوازي، اتجهت منصات كبرى إلى تقييد الوصول المجاني لبياناتها، فيما بدأت شركات تقنية بشراء البيانات بشكل قانوني، في مؤشر على الانتقال إلى مرحلة تنظيمية جديدة، تقوم على ترخيص البيانات والشفافية في مصادر التدريب، وهو ما بدأ الاتحاد الأوروبي بفرضه عبر تشريعات تُلزم الشركات بالكشف عن طبيعة البيانات المستخدمة.

وعلى المستوى العربي، يحذّر خبراء من مخاطر استغلال الإرث الأدبي والثقافي العربي في تدريب النماذج العالمية دون أي مردود، مؤكدين أن حماية السيادة الفكرية والرقمية تتطلب بناء نماذج لغوية سيادية، وحفظ البيانات في مستودعات وطنية، وفرض شروط عادلة على أي جهة تسعى لاستخدام هذا المحتوى، بما يحفظ الهوية الثقافية والحقوق المشروعة.

ويرى مختصون أن مستقبل الإنترنت يتجه نحو نموذج أكثر تقنيناً وترخيصاً، مع احتمال تراجع مفهوم "الإنترنت المجاني"، لصالح أنظمة تعويض ودفع تضمن استمرار الإبداع الإنساني، باعتباره المصدر الأساسي الذي لا غنى عنه لتغذية الذكاء الاصطناعي ومنع تحوله إلى أداة استنزاف معرفي بلا ضوابط.