• العنوان:
    من قائمة أُمِّ الإرهاب إلى أحضانها: الجولاني أُنموذج لصناعة وكيل بأكثر من قناع
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    المسيرة نت| خاص: في عالم السياسة الأمريكية، لا توجد حقائق مطلقة، وإنّما توجد "أدوات" يتم تبديلُ أقنعتها وفقًا لمتطلبات المرحلة، بالأمس القريب، كان اسم أحمد الشرع "أبو محمد الجولاني" يتصدر قوائم الإرهاب العالمية، مع مكافأة مالية ضخمة لمن يدلي بمعلومات عنه، واليوم، وبشحطة قلم من ترامب، يُعاد تعميده كـ "رجل يعمل بجد لإعادة العظمة لسوريا".

وفي مشهدٍ دراماتيكي يجسد ذروة "العبث الأمريكي" بمستقبل المنطقة، أعلنت واشنطن تدشين عملية عسكرية واسعة تحت اسم "عيون الصقر" لمحاربة تنظيم "داعش" في سوريا؛ وهو التنظيم ذاته الذي لطالما أكّـدت الشواهد والاعترافات التاريخية، ومنها اعترافات وزيرة خارجيتها السابقة "هيلاري كلينتون" أنه نبت في دفيئات المخابرات الأمريكية لتمزيق النسيج العربي.

وفي مفارقةٍ سياسية ساخرة، أطل الرئيس الأمريكي ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" متوعدًا بضرب "الإرهابيين القتلة" ردًّا على هجوم تدمّـر الذي أودى بحياة 3 أمريكيين، وفي الوقت الذي وصف فيه سوريا بأنها "أرض ملطخة بالدماء"، زفّ ترامب للعالم ملامح "المستقبل المشرق" عبر الإشادة بقيادة "أحمد الشرع/ أبو محمد الجولاني"، واصفًا إياه بـ "الرجل الذي يعمل بجد لإعادة العظمة لسوريا".

هذا الغزل الأمريكي بـ "الشرع"، أحد أبرز الوجوه التي تدرجت في رحم تنظيمات القاعدة وداعش، يثبت رؤية الكثير من الخبراء بأن سقوط النظام السوري السابق لم يكن ليحدث لولا الدعم الأمريكي لداعش وأخواتها، وُصُـولًا إلى تنصيب عناصرها على رأس الهرم السلطوي في دمشق اليوم تحت مسميات "وطنية" مصطنعة.

مراقبون يتساءلون؛ إذ كيف يمكن لرجل كان يُعتبر بالأمس "عقلًا مدبرًا" في "داعش" وأخواتها، ومسؤولًا عن أبشع الانتهاكات، أن يصبح فجأة شريكًا استراتيجيًّا للبيت الأبيض؟ الإجَابَة تكمن في نظرية "إعادة التدوير" الأمريكية؛ إذ تدرك واشنطن أن تفتيت الدولة السورية يتطلب وجهًا يمتلك "القبضة العسكرية" المتطرفة، لكن بـ "لسان" يتحدث لغة المصالح الأمريكية.

ميدانيًّا، أعلن وزير الحرب الأمريكي "بيت هيغسيث" بدء عملية شاملة لاستئصال خلايا داعش، وأكّـدت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، إطلاق أكثر من 100 قنبلة وصاروخ دقيق، واستهداف أكثر من 70 هدفًا شملت مخازن أسلحة وبنية تحتية في وسط سوريا وفي ريف حلب.

ورغم أنها بيَّنت أن طائرات مقاتلة، مروحيات هجومية، ومدفعية، بمشاركة لافتة من الطيران المقاتل الأردني، إلا أن تنظيم "داعش" لم يعلن عن خسائر بشرية حتى اللحظة، وسط تشكيك المحللين في جدوى هذه الضربات التي غالبًا ما تستهدف "ديكورات" تنظيمية لشرعنة التواجد الأمريكي.

وفي خطوةٍ تعكس طبيعة الإدارة الجديدة في دمشق وارتباطها الوثيق بالمنظومة الأمريكية، سارعت "الخارجية السورية" لإصدار بيان يفيض بالود تجاه واشنطن، وقدمت السلطات السورية تعازيها لعائلات القتلى "السوريين والأمريكيين"، مساويةً بين قوات الاحتلال والأمن المحلي.

وأكّـدت سوريا التزامها بـ "مكافحة داعش" وضمان عدم وجود ملاذات آمنة له، داعيةً أمريكا ودول "التحالف الدولي" للانضمام ودعم جهودها، وهو ما يراه مراقبون "صك تسليم" كامل للسيادة السورية تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب"، في تماهي لا يعني سوى شيئًا واحدًا، أن أمريكا لا تحارب ما يسمى الإرهاب، وإنما تحارب "الخارج عن سيطرتها" بواسطة "الإرهاب المدجن" الذي يقوده وكلاؤها الجدد.

وكل المعطيات تؤكّـد أن السياسة الأمريكية فيما يسمى "الشرق الأوسط" لا تقوم على "تصفية الإرهاب"؛ بل على "إعادة تدويره"، من خلال صناعة تنظيمات متطرفة "داعش" لإسقاط الأنظمة الرافضة للهيمنة والعبث بأمن واستقرار الشعوب الحرة، وتصدير الوجوه المتطرفة ذاتها "أحمد الشرع" كقادة "ديمقراطيين" جدد، ومن ثم افتعال هجمات "مثل هجوم تدمّـر" لتبرير بقاء القوات الأمريكية وشرعنة تدخلها العسكري المباشر عبر عمليات مثل "عيون الصقر".

فحين يقول ترامب إن "حكومة سوريا بقيادة الشرع تدعمنا دعمًا كاملًا"؛ فهو يوجّه رسائل مشفرة للداخل الأمريكي وللخصوم الدوليين، أن القوات الأمريكية في سوريا لم تعد "قوات احتلال" في نظر الإدارة، وإنما "قوات مدعوة" من حكومة (الجولاني) لضرب تنظيمات منافسة.

وهذا المسار الدراماتيكي يؤكّـد أن أمريكا هي المستفيد الأول من حالة "اللا دولة" في سوريا، حَيثُ تضمن استنزاف الموارد، وتأمين أمن الاحتلال الإسرائيلي عبر وكلاء يرتدون ثياب "مكافحة الإرهاب" بينما هم في الأصل جزء من مكنته التاريخية.

محاولة واشنطن غسل سمعة "أبرز عناصر داعش" ومنحه دور البطولة في مكافحة الإرهاب هي إهانة لآلاف الضحايا الذين سقطوا بنيران هذه التنظيمات التي رعتها أمريكا.

إن عملية "عيون الصقر" ليست إلا غطاءً جويًّا لتثبيت أركان السلطة الجديدة في دمشق، وضمان بقاء سوريا في حالة "تبعية كاملة" للقرار الأمريكي.

لقد سقط القناع عن القناع؛ فالحرب على داعش باتت "الستارة" التي تختبئ خلفها واشنطن لإعادة رسم خارطة المنطقة عبر "إرهابيين سابقين" ارتدوا البدلات الرسمية؛ فـ "العظمة" التي يتحدث عنها ترامب ليست لسوريا، إنّما هي عظمة "التحكم عن بعد" في مصائر الشعوب عبر وكلاء باعوا أوطانهم مقابل البقاء في السلطة تحت الحماية الأمريكية.