• العنوان:
    قراءةٌ تحليلية في خطاب السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي "نصره الله"
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    تتجاوز كلمة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي حدود الخطاب التعبوي لتقدم إطارًا تحليليًا لفهم طبيعة العدوان الإسرائيلي، ليسَ باعتبَاره مواجهة عسكرية محدودة؛ بل كونه جزءًا من مشروع إبادة منظم ورؤية استراتيجية تمتد إلى المنطقة بأكملها.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

إن تحليل مضامين كلمته يكشف ثلاثة أبعاد رئيسية: البُعد الإنساني المتمثل في الإبادة، والبعد السياسي المتمثل في التواطؤ الدولي، والبعد الاستراتيجي المتمثل في المخطّط الصهيوني الشامل.

 

أولًا: الإبادة كسلوك منظم لا كحادث عابر

ينبه السيد القائد إلى أن استهداف المدنيين في غزة، بما في ذلك المستشفيات والأطباء وفرق الإسعاف والصحفيين، ليس أخطاء عسكرية بل هو سياسة ممنهجة. هذه السياسة تستند إلى رؤية فكرية ظلامية ترى في الدم الفلسطيني مادة مشروعة للقتل، وتتعمد استخدام التجويع كسلاح إبادة جديد. هنا يبرز مفهوم "الإبادة المركبة"، التي لا تكتفي بالقتل المباشر بل تمتد إلى منع الغذاء والدواء وتدمير البنية الزراعية، وهو ما يجعلها سابقة عالمية في هذا العصر.

 

ثانيًا: التواطؤ الغربي والأمريكي

التحليل الذي يقدمه السيد القائد يربط مباشرة بين الجرائم الميدانية وبين البنية السياسية العالمية. فالولايات المتحدة، عبر مؤسّساتها، لا تكتفي بدعم إسرائيل عسكريًّا، بل تمارس ما يسميه "التغطية الدبلوماسية"، بمنع أي توصيف إنساني للجرائم. هذا يعني أن العدوان ليس فعلًا إسرائيليًا منفردًا، بل هو شراكة مؤسّساتية بين المشروع الصهيوني والمشروع الأمريكي. أما أُورُوبا، فمواقفها الرمادية تعكس عجزًا أخلاقيًا وانحيازًا حضاريًّا؛ إذ لا تمارس ضغطًا حقيقيًّا على الاحتلال رغم وضوح الجرائم.

 

ثالثًا: السلطة الفلسطينية نموذج وظيفي

يشير السيد القائد إلى أن التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال يمثل الصيغة المثالية التي يراد تعميمها عربيًا: سلطة محلية تنفذ إملاءات أمنية إسرائيلية مقابل بقائها الشكلي. هذا النموذج يُراد تكراره في لبنان وسوريا لتجريد المقاومة من سلاحها، تمهيدًا لفرض السيطرة الكاملة.

 

رابعًا: البُعد الاستراتيجي – إسرائيل الكبرى

يربط السيد القائد بين الجرائم اليومية في غزة وبين الرؤية الأوسع لمشروع "إسرائيل الكبرى"، مستشهدًا بالعملة الإسرائيلية التي تحمل خريطة تضم فلسطين وأجزاء واسعة من دول عربية. تصريحات نتنياهو حول "تغيير الشرق الأوسط" ليست إذن خطابًا إعلاميًّا بل تجسيدًا لمخطّط توسعي طويل الأمد، يعزز الوجود الصهيوني عبر السيطرة على الثروات المائية والزراعية والطاقة.

 

خامسًا: المقاومة كخيار حضاري

في مقابل مشروع الإبادة والتوسع، يقدم السيد القائد المقاومة بوصفها خيارًا حضاريًّا ووجوديًّا، لا مُجَـرّد رد فعل عسكري. ثبات المجاهدين في غزة وعملياتهم النوعية، إلى جانب العمليات اليمنية بالصواريخ الفرط صوتية، تعكس تحول المقاومة إلى محور إقليمي فاعل، يعيد صياغة ميزان القوى ويفرض معادلات جديدة على العدوّ.

 

سادسًا: البُعد الشعبي والديني

يربط السيد القائد بين الموقف العملي وبين البعد التربوي الثقافي، من خلال إحياء المناسبات الدينية مثل المولد النبوي الشريف كمنصة لبناء وعي قرآني مقاوم. هذا الجانب يكشف أن معركة الوعي جزء لا يتجزأ من معركة التحرّر، وأن الأُمَّــةَ بحاجة إلى استعادة مصادرها القيمية لمواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي.

 

خاتمة

يمكن القول إن خطاب السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي يطرح رؤية تحليلية متكاملة: العدوان على غزة ليس نزاعًا محليًا، بل هو تجسيد لمخطّط إبادة منظم، مدعوم أمريكيًا وغربيًّا، ومرتبط برؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خريطة المنطقة وفق مشروع "إسرائيل الكبرى".

في المقابل، تبرز المقاومة – بفعلها العسكري وثباتها الشعبي – كخيار وحيد للحفاظ على الهوية والكرامة والوجود.

إن هذا التحليل يضع أمام النخب العربية والإسلامية مسؤولية تاريخية: إما مواجهة المشروع أَو السقوط في فخ التواطؤ والتفريط.