السعودية وراء كل خيانة، وإذا وقعت خيانة في أي مكان فابحثوا عن السعودية."  (غسان كنفاني)

 الشهيد غسان كنفاني (1936–1972) لم يكن أديبًا فلسطينيًا بارزًا أو كاتب رواية وقصة قصيرة يحمل هموم النكبة فحسب، بل كان مفكرًا ثوريًا وصحفيًا سياسيًا من الطراز الأول أيضًا، امتلك قدرة نادرة على قراءة موازين القوى الإقليمية والدولية بوعي تاريخي عميق وبحس ثوري حاد.

عمل كنفاني في الصحافة مبكرًا، وتوّج جهوده بتأسيس وإدارة مجلة "الهدف" لسان حال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ عام 1969، وعبر مقالاته السياسية، كشف طبيعة الأنظمة العربية الرجعية وتحالفاتها الخفية مع الاستعمار والصهيونية، وكان من أبرز كتاباته مقال "الحلف السري بين السعودية وإسرائيل"، الذي نُشر في مجلة "الهدف" بتاريخ السبت 10 كانون الثاني/يناير 1970م في العدد 24، والذي أدى إلى ضغوط سياسية كبيرة عليه.

 وقد تعرّض لاحقًا للاعتقال أو التوقيف لفترة قصيرة في بيروت وفق شهادات متفرقة، بسبب كشفه لحقائق سياسية وأمنية حساسة فضحت علاقات الرياض السرية بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

تناول المقال التنسيق غير المعلن بين السعودية و"إسرائيل" ضمن استراتيجية استعمارية تهدف إلى تثبيت النفوذ الأميركي في الخليج العربي، مشيراً إلى "صفقة الأمير فهد مع شاه إيران في واشنطن"، والتي تضمنت اقتسام النفوذ في الخليج، بما يشمل الحقوق في البحرين والبريمي، ووضع قطر ودبي تحت مظلة الحماية الإيرانية، كل ذلك بدعم أميركي.

 كما ربط المقال بين هذا التحالف والدور السعودي في دعم القوى المضادة للثورة في اليمن، واستخدام الدعم العسكري الغربي، مثل طائرات Lightning البريطانية، في حملات داخلية وإقليمية.

من يقرأ كتابات غسان كنفاني عن الدور السعودي في المنطقة يظن أنها مقالات كتبها بالأمس، وليس في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن المنصرم، وهذا ليس فقط لذكاء الكاتب الثوري الفذ في استشراف المستقبل، ولكن أيضًا لأن الدور الخطير لنظام آل سعود في المنطقة، في خدمة الإمبريالية والصهيونية لم يتغير بقدر ما ازداد انحطاطًا وخسة في زمننا هذا.

 كتب كنفاني عن العلاقات السعودية مع دول المنطقة (خاصة نظام الشاه) ليكشف أن هذه التحالفات لم تكن منفصلة عن الصراع العربي–الإسرائيلي، بل جزء من خطة شاملة لربط أمن الخليج بأمن الكيان الصهيوني، بحيث يصبح أي تهديد للمصالح النفطية الغربية تهديدًا مباشرًا لكيان العدو، فيما تلعب السعودية دور الوسيط المحلي، وإيران دور الحارس الشرقي تحت إشراف أميركي.

تكشف هذه المعطيات عن نقد كنفاني العميق للأنظمة العربية الرجعية، خصوصًا السعودية، التي اعتبرها ركيزة أساسية للهيمنة الأميركية وممولة للقوى المضادة للتحرر الوطني، وحليفًا موضوعيًا للكيان الصهيوني رغم شعاراتها الدينية، مؤكدًا أن تحرير فلسطين لا يمكن أن يكتمل دون مواجهة النفوذ الغربي والصهيوني والتحرر من الأنظمة العميلة الرجعية في الجزيرة العربية.

وبعد أن يسرد الكاتب العديد من الوقائع والدلائل من تقرير سري نشرته مجلة "الإيكونيميست" يقول كنفاني:

"إن مجمل تلك الوقائع، تشير بصورة تتضح بازدياد إلى ذلك الحلف السري غير المكتوب، القائم عمليًا بين "إسرائيل" والسعودية: فالمخططات السعودية هذه – التي تشكل حلقة لا تنفصم عن استراتيجية الإمبريالية في منطقة الشرق الأوسط – هي في جوهرها مخططات مكملة لتلك التي تلعبها "إسرائيل"، والتي تشكل بدورها حلقة لا تنفصم عن استراتيجية الإمبريالية في منطقة الشرق الأوسط."

ثم يضيف:

[إن السعودية، وهي تمضي في لعب حصتها من المؤامرة الكبرى، لا تتسلح فقط بمظهر شكلي خدّاع من دعم مزعوم للجبهات العربية، وللعمل الفدائي، ولكنها تتسلح بنفوذ وفره لها الصمت الرسمي العربي، بهدف عزل جمهورية اليمن الجنوبية تمهيدًا لمحاولة تصفيتها، وبهدف “تسكيت" العرب وراء ستائر مؤتمر القمة الإسلامي عن الدور التآمري الذي تلعبه إيران لمصلحة الاستراتيجية الإمبريالية في منطقة شرق السويس].

يعكس المقال شجاعة الأديب والصحفي كنفاني في كشف تحالفات سرية والأبعاد الاستراتيجية الإمبريالية في الخليج، وربطه المبكر بين تحرير فلسطين والتحرر العربي، وهو ما أكسبه مكانة فكرية وسياسية استثنائية، لم يرضخ خلالها للتهديدات والضغوط، حتى اغتيل في 8 يوليو 1972 على يد الموساد الإسرائيلي، تاركًا إرثًا فكريًا وسياسيًا حيًا. ومقال "الحلف السري بين السعودية وإسرائيل" وثيقة نادرة تكشف طبيعة التحالفات السرية في المنطقة وعلاقتها بالهيمنة الغربية والصهيونية.

 وقد يعجب القارئ حين يقرأ ما كتبه كنفاني عام 1965 عن حادثة يرويها في كتابه المميز "ثم أشرقت آسيا"، عن رحلته إلى الصين واللقاء الذي جمعه مع القيادة الصينية والجمعيات الإسلامية وأئمة المساجد، إذ يشير إلى أن جهات خليجية (السعودية) أرادت تقديم رشوة للصحف اللبنانية لنشر حملة إعلامية مضادة للصين بشأن "معاملة الصين السيئة لمسلمي الإيغور"! في وقت كان كنفاني يترأس هيئة تحرير صحيفة لبنانية معروفة، كشف عن دور النظام السعودي في تشويه صورة الصين في ذلك الزمن.

الاعتقال والتوقيف في بيروت

بعد نشر المقال "الحلف السري بين السعودية وإسرائيل" في 10 كانون الثاني/يناير 1970، تعرّض كنفاني لضغوط هائلة:

استدعت السعودية سفيرها في بيروت واحتجّت رسميًا على المقال، وطلبت السلطات اللبنانية من كنفاني حذف المقال أو الاعتذار العلني، لكنه رفض بشكل قاطع.

 وبعد أيام قليلة، قامت السلطات اللبنانية باعتقاله بناءً على مذكرة أمنية سياسية، وتم التحقيق معه لساعات طويلة، ولم يستمر التوقيف طويلًا بفضل ضغط مارسته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتضامن مثقفين عرب ولبنانيين، لكنه ترك أثرًا بالغًا في مسيرته السياسية والصحفية، فهذه الحادثة رسّخت صورة كنفاني كأحد أبرز الأصوات الثورية التي لم ترضخ للأنظمة النفطية، مهما بلغت التهديدات والضغوط.

*كاتب مقدسي من فلسطين المحتلة. وأحد مؤسسي حركة المسار الفلسطيني الثوري البديل

لقراء مقال غسان كنفاني كاملاً

https://masarbadil.org/2025/08/6680