• العنوان:
    غزة.. مأدبةُ دم ولكنها مهدُ النصر في الصراع الوجودي
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    تتجاوز المشهدية المعاصرة لقطاع غزة حدودَ التحليل السياسي التقليدي أَو التقييم العسكري النمطي، لتنحدرَ إلى جوهر الصراع الوجودي الذي يتداخل فيه الميتافيزيقي بالبراديغمات الواقعية.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

إنَّ ما يُقدَّم على مسرح الأحداث كـ"حرب" هو في حقيقته عملية تطهير عرقي ممنهجة، ترتدي عباءة "الدفاع عن النفس"، في محاولة مكشوفة لتصفية وجود إنساني وثقافي وتاريخي.

ومع ذلك، فإنَّ هذه المأدبة المروعة من الدم، التي تُقدَّم على مذبح العجز الأممي، ليست نهاية المطاف، بل هي في حقيقتها مقدمة ضرورية لميلاد استراتيجي جديد.

إنَّ العنفَ الصهيوني المفرط، الذي يُمارَس على المدنيين، لا يمكن فهمُه إلا ضمن إطار نظرية الصدمة (Shock Doctrine)، التي تهدف إلى إحداث صدمة مجتمعية عارمة لفرض واقع سياسي جديد، يتجاوز كُـلّ المقاييس والمعايير الإنسانية.

يُعَدُّ هذا العنف، في جوهره، فعل يأس وجودي من قِبَل كيان لا يمتلك شرعية تاريخية، ويواجه مقاومة لا تستند إلى القوة المادية فحسب، بل إلى قوة عقائدية متجذرة، تستلهمُ قوله تعالى: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (آل عمران: 139).

هذه القوة ليست مُجَـرّد شعارات، بل هي إيمان راسخ بأن النصر من عند الله، وأن الصمود في وجه الباطل هو فريضة إلهية.

على النقيض تمامًا، تمثل المقاومة الفلسطينية، تحديدًا في قطاع غزة، ظاهرة تستحق الدراسة الأكاديمية العميقة.

إنَّها ليست مُجَـرّد رد فعل على العدوان، بل هي تجسيد لمفهوم "الجهاد الأكبر" الذي يتجاوز مفهوم القتال العسكري إلى صراع روحي وفكري على الهُوية والبقاء.

إنَّ نظرية النصر في هذا السياق، ليست مرتبطة بانتصار عسكري حاسم بالضرورة، بل بتعطيل المشروع الصهيوني بشكل كامل، وأبطال مفعول كُـلّ أدواته السياسية والعسكرية والإعلامية، تصديقًا لقوله تعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (العنكبوت: 69).

هذا النصر يتجلى في ثبات شعب لا يملك إلا إيمانه، في وجه ترسانة عسكرية عالمية، وفي قدرته على إعادة تعريف معاني العزة والكرامة.

إنَّ هذا الصراع الدموي، وإن بدا كارثيًا، هو في الواقع عملية "تكوين" وَ"إعادة تشكيل" للوعي الجمعي العربي والإسلامي.

لقد كشف عن عمق التواطؤ، ووضح زيف الشعارات، وأعاد ترتيب الأولويات بشكل جذري.

لقد أصبحت القضية الفلسطينية، بفضل دماء الشهداء وصمود الجرحى، محورًا كونيًا (Global Axis) يجذب الأحرار من كُـلّ مكان، ويفضح النفاق الدولي.

إنها تفضح الأنظمة المتخاذلة، وتضع الشعوب أمام مسؤولياتها التاريخية، وتجعل من كُـلّ قطرة دم مسفوكة منارة تهدي الأجيال إلى طريق التحرير.

وختامًا، يمكن القول إنَّ غزة، رغم ما تحمله من مأساة، هي حقل تجارب لمستقبل الأُمَّــة.

إنَّها لا تُقدِّم لنا خيارات سياسية، بل تُجبرنا على إعادة تعريف هويتنا، وتُؤكّـد أنَّ النصر الحقيقي ليس في تجنب المعاناة، بل في تحويلها إلى قوة دافعة، وإلى ميلاد جديد للأُمَّـة، يمحو كُـلّ آثار الهزائم السابقة، ويؤسس لعصر من العزة والكرامة.

فمن رحم المأساة، يولد النصر، مصداقًا لقوله تعالى: "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (الشرح: 6).