• العنوان:
    كريم الحنكي.. شاعر عدن الذي حمل كلمته كراية
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    ثقافة
  • كلمات مفتاحية:

 كتب: عبدالرحمن العابد

 

في بدايات العدوان على اليمن، حين كان صوت القصف يعلو على كل صوت، برز صوتٌ آخر أصرّ على أن يبقى عالياً، صوت قادم من مدينة عدن.. صوت الشاعر الكبير "كريم الحنكي".

 

لم يكن صوته شعراً فحسب، بل كان موقفاً إنسانياً صريحاً، يواجه لغة الكراهية المبطنة بشعارات "المقاومة" و"الثورة"، ويكشف زيفها حين تحوّلت إلى مبرر لإلقاء البسطاء من أسطح المباني بتهمة أنهم "حوثيون"، بينما كانوا في الحقيقة مجرد باعة خضروات يسعون وراء لقمة العيش.

 

كان كريم يكتب من داخل عدن على صفحته بلا تردّد، يفضح المناطقية والطائفية بلغةٍ لا تحتمل التأويل.

وعندما نصحته باتصال بالحذر، ردّ بكلماته التي بقيت شاهداً على شجاعته: "الموت أشرف من السكوت على هؤلاء."

 

لم يكن كريم يملك ثمن السفر إلى صنعاء، وكنت أتمنى ألا يملك سداد اشتراك الانترنت خوفاً عليه.

مع ذلك، بقي قلمه أكبر من قيود العوز، وكلماته أوسع من جدران الضيق. ربما كان لتاريخ أسرته النضالي بعض الفضل في أن يوفّر له حماية نسبية، لكن الأمر لن يستمر.

 

حين وُلدت فكرة برنامج "شاعر الصمود"، لم نتردّد لحظة في أن يكون كريم أحد أعمدة لجنة التحكيم. كان الاختيار امتداداً طبيعياً لموقفه؛ فالشاعر الذي رفض أن يساوم على كلمته لا بد أن يكون صوتاً شاهداً على زمن الصمود.

 

كنا بغاية القلق ولم نطمئن حتى وصل صوته عبر الهاتف حين قال: "أنا في صنعاء"، كان بمثابة حياة جديدة لكل من آمن أن للكلمة الصادقة وزناً يعادل صخب الطائرات.

 

بعد عشر سنوات على تلك اللحظة، رحل كريم الحنكي عن الدنيا... رحل جسده، لكن حضوره باقٍ في الذاكرة الجمعية لمن عرفوه شاعراً صادقاً، وإنساناً نبيلاً لم تغره المناصب ولا أرهقته الحاجة عن قول الحق.

كريم لم يكن مجرد شاعرٍ يكتب ضد العدوان، بل كان ضميراً يواجه الخوف بالكرامة، والفقر بالاعتداد بالنفس، والموت لديه أشرف من الصمت."

رحم الله كريم الحنكي، فقد غادرنا جسداً، لكنه ترك فينا معنى يزداد حياة كلما حاولت الكراهية أن تفرض صمتها.

 

وهذه قصيدة للشاعر كريم الحنكي ابن مدينة عدن بعنوان

"إنقلابيون"

 

قَالُوا: انْقِلابِيُّوْنَ. قُلْتُ: أَثَوْرَةٌ

فِي الْأَرْضِ مَا انْقَلَبَتْ عَلَىْ مَا يُنْكَرُ

 

قَالُوا: انْقِلابِيُّوْنَ. قُلْتُ: فُدَاتُنا

خَلَعُوا الْوِصَايَةَ واللئامَ، وَغَيَّرُوا

 

قَالُوا: انْقِلابِيُّوْنَ. قُلْتُ: أَعِزَّةٌ

رَدُّوْا سِيَادَةَ أَرْضِنَا، وَتَطَهَّرُوا

 

فَتَطَهَّرَتْ مِمَّا يُشِيْنُ دِيَارُنا

وَتَحَرَّرَتْ مِن رِّجْسِهِ، وَتَحَرَّرُوا

 

قَالُوا: انْقِلابِيُّوْنَ. قُلْتُ: تَقلَّبَتْ

قَوْمِيَّةٌ بِالأَمْسِ كَانَتْ تَجْهَرُ

 

أنَّ الرِّيَاضَ وَمَن مشَى بِرِكابِها

في قَلْبِ خَاصِرَةِ الْعُرُوْبَةِ خِنْجَرُ

 

وَاليَومَ تَسْتَجْدِي الْعِقَالَ ذَلِيلَةً

تَحْيْا بِطَاعَتِهِ، ولا تَتَسَتَّرُ

 

قَالُوا: انْقِلابِيُّوْنَ. قُلْتُ: تَقَلَّبَتْ

أُمَـمِــيَّـةُ.. وَتَقَـــــدُّمٌ يَتَــأَخَّــرُ

 

كانَ الْخَلِيجُ وَحُكْمُهُ في عُرْفِها

رَجْعِيَّةً، مِنْهَا الْبَلاءُ الْأَنْكَرُ

 

وَغَدَا مَرَاجِعَهَا الْأخيرَةَ بَغْتَةً

تَسعَى مُبَايِعَةً إِلَيْهِ، وَتُؤْمَرُ

 

وَكَأَنَّ غِيْفَارَا الْيَسَارِ هُناكَ قَد

لَبِسَ الْعِقَالَ لَها؛ وقالَ: تَيَسَّرُوا

 

قَالُوا: انْقِلابِيُّوْنَ. قُلْتُ: أُباتُنا

ثارُوا عَلَى الْمَرْعَى الوَخِيمِ، فَأَزْهَرُوا

 

قالُوا: رِجَالُ الْكَهْفِ. قلتُ: كُهُوْفُهُمْ

نَزَعَتْ قُصُورَ مَمَالِكٍ تَسْتَكْبِرُ

 

قَالوا: رِعَاعٌ. قُلتُ: خَيرُ أَحِبَّتِي

وَجْدَاً، وَأَدْناهُمْ إِلَيَّ، وَآثَرُ

 

"قَالُوْا: وَهُمْ عُمَلاءُ. قُلْتُ: تَأَمْرَكَتْ"

أَيْدٍ تَسَعْوَدَ سَيْفُهَا الْمُسْتَأْجَرُ

 

قَالُوا: وَحُوْثِيُّوْنَ. قُلْتُ: وَهَلْ سَبَى

قَلْبِي سِوَى حُوْثَ التي تَسْتَأْثِرُ

 

بِقُلُوْبِ أَحْرَارِ الدِّيَارِ.. فَخِصْمُهَا

في حَرْبِنَا: الْبَاغُوْنَ وَالْمُسْتَعْمِرُ

 

قَالُوا: فُتِنْتَ بِهِمْ. فَقُلْتُ: أَشَاعِرٌ

حَيٌّ، ولا يَهْوَى الْجَمَالَ وَيُكْبِرُ

 

وَلَقَدْ رَأَيتُ لَهُ الشَّوَاهِدَ جَمَّةً

لَكِنَّكُمْ لَا تُبْصِرُوْنَ، وَإنْ تَروا